د. اعتماد يوسف القصيري



الفصل الأول

نشأة المدن العربية الإسلامية في العراق

المبحث الأول

نشأة المدن الأموية

البصرة : تخطيطها وعمارتها
مدينة عربية مصرت في العصر الإسلامي خارج الجزيرة العربية، وهي أقدمها ولا تزال آثارها باقية إلى الآن(1). مصرت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 14هـ/635م، حينما أفلح جيش عتبة بن غزوان في تحرير مناطق واسعة في جنوب العراق وأجزاء مهمة من أقاليم الخليج. أسسها عتبة بن غزوان المازني عامل الخليفة عمر لتكون معسكراً لجنده ومشتى لهم. وتذكر المصادر أن عتبة نزل منطقة البصرة في أربعين وثمانمائة رجل، وكانت أرضها قبل هذا تسمى أرض الهند(2)، أي أنها مصرت بموقع الخريبة وعرفت فيما بعد بأنها ضاحية من ضواحي البصرة(3)، وهو المكان الذي كانت فيه مصالح للعجم في شط العرب. وذكر ياقوت في كتابه(4)، إن موقع الخريبة كان يسمى أيضاً بالبصيرة. وقد جعل عتبة المدينة في الضفة الغربية من النهر في مكان لا يحول الماء بينه وبين المدينة المنورة حسب وصية الخليفة له. وكانت الأرض التي اختارها القائد أرضاً بكراً خالية من المباني إلا بعض المباني القديمة وقصر قديم. ويذكر أن عتبة مر بموضع المربد فوجد فيه الكلذان الغليض، فقال : >هذا هو البصرة انزلوها باسم الله "، فخط المسجد وبناه بالقصب.
تعددت آراء الكتاب والباحثين العرب وغيرهم في معنى البصرة، واختلفوا أيضاً في سبب التسمية، إلا أن اللغويين العرب اتفقوا أن الكلمة عربية. ويظهر أن اسم المدينة قد اشتق من صفة الأرض المختارة ؛ فقد وصفت بأنها أرض غليظة فيها حجارة بيض صلاب، وأرض هذه صفتها تدعى البصرة. وقيل في معنى البصرة هي الأرض العلكة الطيبة الحمراء، كالغرين الذي انحسر عنه ماء شط العرب(5).
والملاحظ من هذه الأقوال أن معنى البصرة قد تردد بين الأرض الرخوة والأرض الغليظة الرخوة الضاربة إلى البياض، ومن الطبيعي أن تكون أرضها كذلك لوقوعها في نهاية السهل الرسوبي المحاذي لحافة الصحراء، وطبيعي أيضاً أن تختلط الصخور الكلسية المنتشرة بين رمال الصحراء بالطمى الرسوبية فتصبح الأرض رخوة فيها غلظة تضرب إلى البياض.
وكان الباعث الرئيس الذي دفع عمراً أن يأمر بتأسيس مدينة البصرة هو الباعث العسكري، نظراً للظروف العسكرية التي واكبت الفتوحات العربية في العراق، ورغبة منه في تركيز القوة العسكرية في جنوب العراق لكي يتخذ منها المجاهدون العرب قاعدة لإسناد وجودهم، والانطلاق منها إلى المناطق الشرقية حيث توجد القوات الأخرى التي بدأ العرب بتعقبها، وتصفية وجودها، وتحرير تلك المواقع من سيطرتها عليها ونشر الإسلام فيها.
وكان عمر يدرك كل الإدراك أهمية موقع مدينة البصرة العسكري في إمداد الجيش الفارسي بالأسلحة والمؤن(6).
بنيت دور البصرة والمرافق العامة لها بالقصب الذي كان المادة الأساس في البناء آنذاك، وظلت البصرة على حالها طيلة الفترة التي تولى فيها عتبة آخر ولاتها حتى وفاته عام (16هـ) وهو في طريق عودته إلى المدينة لهدف الحج(7)، وعين بدلاً عنه المغيرة بن شعبة الثقفي. ولكن تطور البصرة الرئيسي يرجع في أصوله الى ولاية أبي موسى الاشعري التي امتدت من عام 17 إلى 29هـ/650-638م. وأول عمل قام به هو تغيير بناء المسجد ودار الإمارة باللبن والطين(8)، كما أنه أول من خط تخطيطها وفقاً للقبائل التي سكنتها، وجعل لكل قبيلة محلة. وقد قسمت منازل أهلها على خمس خطط سميت أخمساً لتوزيع قبائلها، وتم بناء هذه المنازل حول قصر الإمارة والمسجد، وجعل شارعها الرئيسي ستون ذراعاً ومن ثم أمر الناس بالبناء. وكان عرض الشارع الرئيس ستين ذراعاً وهو مربدها، وعرض ما سواه من الشوارع التي تفصل بين الأحياء عشرون ذراعاً، وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع وتتشعب منها دروب ومسالك منيعة عرضها ما بين الأربعة أذرع والثلاثة وأقيم في وسط كل خطة رحبة لمرابط الخيول، وكانت المنازل متلاصقة وغرس النخيل لأول مرة، وكان أبو بكر أول من غرسها(9).
وزرعت الأرض، ورغب بعضهم بحيازة الأرض وزراعتها. وقسم كبير من سكان هذه الأرض شرعوا في إقامة مبانٍ ثابتة لمجموعة حضرية مستقرة. وأخذ عدد سكان هذه المدينة في ازدياد مستمر، إذ كان الخليفة عمر يمد الجيش بالعون ويغذيه بالإمداد البشري، حيث تمكن من الوقوف بصلابة في وجه القوات الفارسية، فكان هؤلاء الجند طلائع المجاهدين الذي ساهموا في فتح بلاد فارس(10).
ونظراً لموقع البصرة التجاري أسرع إليها العمران واتخذتها الحكومة مقراً لإمارة العراق في أيام بني أمية في بادئ الأمر، فعمرت في أيامهم، واتسعت عمارتها، وازدهرت ثروة أهلها، وكثرت خيراتها. كما حظيت باهتمام العباسيين وشهدت نهضة عمرانية كبيرة، وبلغت شأناً عظيماً من التقدم حتى ذكرها ابن حوقل بأنها وصفت بالمجالس الحسنة والمناظر الأنيقة والأبنية الفاخرة(11). كما أسهمت في تطور الفكر، ويكفيها فخراً أنها أنجبت أعظم العلماء أمثال الحسن البصري والفراهيدي والجاحظ وغيرهم.
وفي العصور التالية توالت عليها الكروب والمحن، ولم يبق من آثارها الشاخصة إلا جزء من مسجدها الجامع الذي جدد ووسع وعمر عدة مرات خلال العصور(12).
المسجد :
يعتبر تخطيط مدينة البصرة أول تجربة لتخطيط المدن في العصر الاسلامي الأول(13). ولما كان المسجد يعتبر من أهم أبنية المدن الإسلامية الأولى، اهتم القادة بتعيين موقعه والإشراف على تخطيطه. وتشير المصادر الأدبية إلى أن أكثر من شخص قام بتخطيط مسجد البصرة، ويذكر أن القائد عتبة بن غزوان منهم، ومنهم من يشير إلى محجر بن الأذرع، وخبر آخر يشير إلى أن الذي قام بتخطيطه هو الأسود بن سريع(14).
خططوا المسجد ودار الإمارة في وسط المدينة في المركز، وجعلوا الطرق والشوارع تؤدي كلها إلى المسجد، وبنوا الأسواق قريبة منه ليتيسر للناس الاتصال بها وبالوالي وأداء الفرائض ودفع الضرائب. وكان أول مسجد في البصرة استخدم القصب في بنائه مثل بقية أبنية المدينة. ويظهر أن الحريق الذي اجتاح مدينة البصرة قد التهم المسجد أيضاً(15)، أي أن المسجد كان خالياً من كل بناء وكان يشتمل على ساحة مكشوفة ربما كانت مسورة بسياج من القصب، وما لبث حتى شيد له سور من اللبن والطين بأمر من أبي موسى الأشعري، كما أمر بتوسيع المسجد. ويذكرأنه صبغ جدرانه واتخذ له سقفاً من العسب(16). وليس لدينا معلومات أثرية أو تاريخية تؤيد شكله ومقدار مساحته، إلا أنه كان يحتوي على منبر يقوم في جدار القبلة(17).
بقي المسجد على حاله طيلة فترة حكم الخليفة عثمان بن عفان، وفي عهد معاوية قام زياد بن أبيه بهدم المسجد كله، وزاد في مساحته زيادة كبيرة في سنة (45هـ/665م)، وبناه بالآجر والجص، وأقام عليه سقفاً من الخشب الصاج(18) يستند على أعمدة حجرية. واتخذ زياد مقصورة فيه، وبنى له مئذنة، ولعل هذه أول مئذنة بنيت في العراق. وأمر أن تكون دار الإمارة ملاصقة له من جهة جدار القبلة. وجعل بينهما مدخلاً يؤدي من الدار إلى بيت الصلاة ليتسنى للأمير الدخول إلى المسجد بيسر دون تخطي رقاب الناس، وفرش أرضه بالحصى.
في سنة 311هـ-923م نتيجة لثورة الزنج، تم تدمير مدينة البصرة وإحراق مسجدها وبيوتها وأسواقها.
ظلت معلوماتنا عن هذا المسجد محدودة إلى أن قامت الهيئة العامة للآثار بإجراء التحريات الأثرية عام1960 ، فظهر أنه مستطيل الشكل يبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب120/30 ، وعرضه من الشرق إلى الغرب88/50 ، يتألف بيت الصلاة فيه من خمسة أساكيب ناتجة عن إقامة خمسة صفوف من الأعمدة الأسطوانية، ويطل المصلى على فناء يحيط به مجنبة ومؤخرة يتكون كل منها من أسكوبين فقط.
يعتبر هذا الاكتشاف ذا أهميه تاريخية، فلأول مرة نحصل على تخطيط أول مسجد أنشئ في العهد الإسلامي خارج شبه الجزيرة العربية. وعمارة المسجد على عهد الخليفة المستنصر لا تختلف من حيث الطراز عن طرازه الأول، والتغيرات التي حدثت انصبت على سعة المسجد(19) والوحدات الزخرفية التي تحلي جدرانه، وتعكس طراز النصف الأول من القرن السابع الهجري حيث بلغت فنون الحفر المفرغ على الآجر ذروتها دون غيرها من العالم الإسلامي، وكل ما تبقى من عمارة المستنصر بالله جزء من الركن الشمالى الغربي زينت حنايا مقرنصات هذا الركن بحشوات دقيقة ذات زخارف نباتية مفرغة(20)، ويعرف هذا البرج عند العامة (بمنارة علي) (شكل رقم 1)، كما عرف الجامع بجامع الامام علي (ع). وتذكر المصادر التاريخية أن منارة المسجد كانت تقوم في آخر المسجد، وكان يعتكف قريباً منها الحسن البصري للقضاء والإفتاء.
دار الإمارة :
بنى القائد عتبة بن غزوان دار الإمارة ليقيم فيها بصفته قائد الجيش العربي الإسلامي في منطقة جنوب العراق، ومعلوماتنا عن هذه الدار لا تتعدى ما ذكره المؤرخون والبلدانيون. فقد جعل القائد عتبة بن غزوان الدار بالقرب من المسجد الجامع ولم يكن لاصقاً به، في الرحبة التي كانت تسمى رحبة بني هاشم ويطلق عليها الدهناء، حيث كانت تضم السجن والديوان. وكان بناء الدار بالقصب أولاً.
وفي ولاية أبي موسى الاشعري (16هـ-637م) أعيد بناء الدار باللبن(21)، وعندما قام زياد بن أبيه بتوسيع المسجد حوّل موضع الدار وجعلها في قبلة المسجد، وأدخلت أرضية الدار إلى مصلى الجامع لتوسيع بيت الصلاة، وحوّل الحيز إلى صدر المسجد، وكان الإمام يخرج من الباب الذي فتح في جدار القبلة(22). وأثناء ولاية الخليفة عبد الملك بن مروان (86-65هـ/705-685م)، أمر والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي بهدم الدار بحجة رغبته في بنائها مجدداً بالآجر(23)، إلا أنه لم يـبنها، فتركها مهدمة على حالها، ولم يبن في البصرة دار إمارة حتى ولاية سليمان بن عبد الملك، إذ أمر عامله على خراج العراق صالح بن عبد الرحمن بإعادة بناء الدار، فبنيت بالجص والآجر وعلى أسسها الأولى.
وفي عهد الخليفة هارون الرشيد هدمت الدار وأدخلت في أرض المصلى، ومنذ ذلك التاريخ ليس في البصرة دار إمارة للولاة(24).
سور مدينة البصرة :
كان الغرض من إنشاء مدينة البصرة كما قلنا سابقاً، أن تكون قاعدة عسكرية تقيم فيها عائلات المقاتلين وأهليهم ويستقر فيها الجند، فلم ترَ الحكومة والحالة هذه حاجة إلى تسويرها، إلا أنها عندما توسعت وأصبحت مركزاً تجارياً، أمر الخليفة المنصور العباسي بتحصين المدينة ببناء سور يحيط بها وخندق. وقد ضعف هذا السور، وبعد مرور قرن من الزمان في سنة (286هـ/1122م) جدد بناء السور، وقام القاضي عبد السلام الجبلي سنة (516هـ/1122م) ببناء سور بينه وبين السور القديم، وهذا السور لا أثر له في الوقت الحاضر.
وفي العهد السلجوقي دخلت على المسجد الصوامع السبع، والتي لم يعرف خبرها، ثم بدأ الخراب في المسجد عند اندثار البصرة عام (697هـ/1297م)، حيث انتقل أهلها إلى مدينة البصرة الجديدة ولم يبق أثر لهذا المسجد سوى جناحه الشمالي، والذي أشرنا إليه عند حديثنا عن تنقيبات الهيئة العامة للآثار فيها، ولا زال العمل جارياً فيها إلى الوقت الحاضر.
تقوم أطلال مدينة البصرة القديمة اليوم التي عاشت ما يقرب من ألف عام، إلى الشرق من بلدة الزبير، وهي تغطي مساحة واسعة من الأرض تقع على بعد 14 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من المدينة الحالية، ويبلغ محيطها 13كم. وبعد التوسع العمراني السريع الذي أصاب البلدة في السنوات الأخيرة، امتدت مباني هذه البلدة على أجزاء مهمة إلى غربي وشمالي المدينة الأثرية. وعلى الرغم مما أصاب أطلالها، فستظل لهذه المدينة أهميتها كأول مدينة مصرت في العصر الإسلامي.
مدينة الكوفة : تخطيطها وعمارتها
مدينة الكوفة بلد العلم والنور ودار هجرة ومنزل جهاد المسلمين وعاصمتهم الثانية بعد مدينة الرسول "ص". إنها مدينة جميلة لإلهامها وروعة بطولاتها، وقد أبهرت العالم بما ارتفع على أرضها من آيات المعارف والفنون، وبما قدمته من بطولات وتضحيات لنشر رسالة الإسلام، وترسيخ مبادئ الحرية ومفاهيم العدالة الاجتماعية. يكفيها فخراً وصف الخليفة عمر بن الخطاب (رض) لها بقوله : "الكوفة رمح الله وقبة الإسلام وجمجمة العرب يكفون ثغورهم ويمدون الأمصار"(25). كانت الكوفة قبل الإسلام موضعاً ترتاده القبائل التابعة للمناذرة، وفيها تأسست دولتهم التي لعبت دوراً مهماً في السيطرة على أطراف العراق، وضبط حدوده وبسط النفوذ على كثير من عشائر الجزيرة العربية، وعلى مقربة منها تقع الحيرة عاصمة ملكهم، وهي إحدى مراكز الحضارة العربية قبل الإسلام(26).
كانت مدينة الكوفة ولا تزال من المدن الإسلامية الشهيرة، وهي ثاني مدينة إسلامية بنيت في العراق، وقد جاء بناؤها بعد عامين أو ثلاثة من بناء البصرة بعد الفتح الإسلامي عندما انطلق جيش القائد سعد بن أبى وقاص رافعاً راية الإسلام ومحرراً مناطق مهمة من العراق، وكان الانتصار حليفه في معارك عظيمة، كالقادسية والمدائن فهزم عرش الطغيان وأنجز تحرير العراق، فبرزت ضرورة اتخاذ مراكز انطلاق للجيش المظفر، وضرورة إيجاد مكان تسكن فيه عوائل المجاهدين والمهاجرين. وذكر أن القائد سعد بن أبى وقاص قد سمح في البداية للمجاهدين بالنزول في المدائن واتخاذ الخطط فيها(27).
لقد كان العرب المسلمون في غاية الدقة باختيار الكوفة لتشييد عاصمتهم الإقليمية الجديدة بدلاً من المدائن التي استنفر القائد العربي سعد بن أبى وقاص جيشه بعد فتحها لفترة من الزمن، إلا أن المسلمين لم يستعذبوا موقعها ومناخها لكثرة البعوض فيها والأمطار والفيضانات التي تهددها، إضافة إلى وجود نهر دجلة كحاجز طبيعي بينها وبين مركز الخلافة الإسلامية المدينة المنورة. وهكذا الأمر بالنسبة لموقع الأنبار على نهر الفرات، حيث انتقل سعد بجيوشه إلى هذا الموضع لفترة وجيزة وأقام فيه مسجداً(28)، لكن سرعان ما ترك موضع الأنبار لكثرة الذباب، ولأن الفرات كان عائقاً طبيعياً من الناحية العسكرية، لذا سعى سعد إلى البحث عن مكان مناسب لإقامة جيوش التحرير الإسلامية. وقد سبق لسعد أن كتب إلى الخليفة عمر يعلمه بحال المسلمين في المدائن(29) وجاء في جواب الخليفة إلى سعد : "أردت لهم موضعاً برياً ليس بيني وبينهم فيه بحر ولا جسر". وهكذا وقع الاختيار على موضع الكوفة بعد بحث ومشورة مستفيضين، وقد أقر الخليفة عمر هذا الاختيار الاستراتيجي، فموقعها الجغرافي مكنها من تموين جيوش العالم الإسلامي في فتوحاتها لفارس وبقية مناطق الشرق(30)، كما تميز موقعها بأنها قريبة من المياه والأراضي الزراعية التي هي حاجة أساس لنمو وازدهار المدن. أسست مدينة الكوفة سنة (17هـ/638م) وهناك من يرى أنها مصرت سنة (15هـ/636م).
كما ذهب المسعودي في كتابه مروج الذهب إلى أن مدينة الكوفة بنيت بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب في الجانب الغربي من الفرات على بعد سبعة أميال إلى الجهة الشمالية الشرقية من مدينة الحيرة، وكان السبب في تأسيسها كما قلنا لتكون قاعدة عسكرية للقسم الأوسط من العراق ودار هجرة لعامة المسلمين بدلاً من المدائن(31)، ثم توافد عليها أوائل ساكنيها من العرب والفرس والسريان واليهود والنصارى(32). وقد نمت الكوفة بعد ذلك وتحضرت وكثر فيها العمران ووصلت أوج عظمتها في العصر الأموي.
التسمية :
لم تكن الكوفة معروفة بهذا الاسم قبل أن ينزلها العرب، وكانت تدعى بخد العذراء، ولعل جمال الموضع هو الذي استرعى أنظار العرب حينما نزلوا إليها فعرفت بالكوفة. وقد ذكر المؤرخون واللغويون عدة أسباب لتسمية الكوفة، منها أنه عندما افتتح المسلمون القادسية ونزلوا الأنبار فآذاهم البعوض، خرج بهم القائد سعد وارتاد لهم موضع الكوفة، وقال : "تكوفوا في هذا الموضع "، أي اجتمعوا، والتكوف التجمع. وقيل أيضاً الموضع المستدير من الرمل يُسمى كوفاني، وبعضهم يسمي الأرض التي بها الحصباء مع الطين والرمل كوفة(33). وفي العصر الأموي عرفت الكوفة بالعراقين حينما ضم معاوية الكوفة إلى زياد و جمع له البصرة سنة (49 أو 50 للهجرة)(34). وقيل لكونها رملية حمراء ولاختلاط ترابها بالحصى، وقيل سميت بالكوفة لاستدارتها، ويظهر أن اسم المدينة قد اشتق من طبيعة الأرض المختارة فهي مستديرة. وقيل سميت الكوفة لاجتماع الناس بها من قولهم : " تكوف الرمل يتكون تكوفا إذ ركب بعضه بعضاً". مما ذكرناه من آراء حول التسمية يبدو لنا ان كلمة كوفة وكوفان معرفة لدى العرب ويرى د. طاهر العميد أن أصل كلمة كوفة عربي لغنى قواميس العربية في مفرداتها لهذه الكلمة. ولعل أرجح هذه الأقوال أن تسمية المعسكر بالكوفة قد اشتقت من لفظتين مشهورتين في المنطقة، وهما كوفان وهي تل صغير، وكويفة بني عمر وهي موضع.
تخطيط مدينة الكوفة :
كان تخطيط مدينة الكوفة يقوم على أساس قبلي، وجعلت لكل قبيلة محلة خاصة سميت باسمها، كما دعيت الشوارع الرئيسية باسم تلك القبائل أيضاً، وقد اتبع هذا النظام في تخطيط مدينة البصرة(35)، أي أن المجمع العمراني للمدينة قد وزع على سبعة أقسام سكنية وفقاً للقيادات القبلية. تفصل بين هذه الأقسام السبعة طرق رئيسية بلغ عددها خمسة عشر نهجاً(36) التي اقتطعها سعد للقبائل المختلفة وهذه الشوارع تشعبت من المسجد باعتباره مركزاً لها، وأمر الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أن يكون المسجد في قلب المدينة، وتكون دار الإمارة قريبة منه.
أما خطط الناس فتكون حول المسجد والدار، وأن يكون عرض الشوارع الرئيسية (40) ذراعاً والمتوسطة (20) ذراعاً والأزقة (7) أذرع، وأن يتوسط كل محلة ساحة طول ضلعها (60) ذراعاً، و أن لا يزيد عدد غرف الدار الواحدة عن ثلاث، ولا يزيد ارتفاعها عن طابق واحد، وأن تكون متراصة(37). ويشير البلاذري إلى أن مهمة تنظيم المدينة وتقسيمها على الناس قد أسندت إلى أبي الهياج عمر بن مالك بن جنادة الأسدي(38). ومهما يكن من أمر، فقد بدأ البناء في مدينة الكوفة بعد تخطيطها مباشرة، وكان أول ما شيد فيها من الأبنية المسجد الجامع الذي يعتبر ثاني مسجد إسلامي أسس في العراق بعد مسجد البصرة، ولا تزال آثاره قائمة إلى الوقت الحاضر. ويحظى المسجد بعناية المسلمين الذين يحرصون على زيارته وإقامة الصلاة فيه حالياً.
بعد عام من إنشاء مدينة الكوفة احترقت المدينة، فأذن الخليفة باستخدام اللبن والطين بدلاً من أخصاف القصب في بناء الدور والمرافق العامة(39)، وسرعان ما شمل العمران جميع أحياء ومناطق المدينة، ثم توافد عليها أوائل ساكنيها من العرب والفرس والسريان واليهود والنصارى(40).
وقد نمت مدينة الكوفة بعد ذلك وتحضرت وكثر فيها العمران ووصلت أوج عظمتها في العصر الأموي، وعلى الأخص قبل بناء مدينة واسط، إذ ظلت محافظة على أهميتها كمركز إداري لجزء كبير من العراق، وظلت دار الإمارة حتى بعد سقوط الخلافة الأموية، أقام فيها الولاة الأمويون، وأمروا بتعمير مسجدها الجامع ومرافقها العامة الأخرى.
المسجد :
إن أول ما اخـتط فـي الـكوفة مسـجدها ودار الإمـارة وجُعـلتا فـي وســط الـمدينـة، وقـيل إن القـائد سـعداً اخــتط مسـجدها ودار الإمـارة فـي المقـام العـالي ومـا حـولهما بنـفسه، ثـم قطـعت الأراضـي واختـطت كـل قبـيلة موضعـها. ولم تبن جـوانب المسـجد حيـن تأسـيسه ثم زادوا عليه حتى كمل بناؤه في أيام زياد بن أبيـه عـامل معـاوية على العراق، وكان قصر الإمارة يتصل بالمسجد من جهة القبلة، واستنـاداً إلى المـراجع التـاريخية فهو يشـبه فـي تخطيطه جامع الحجاج في واسط.
ولم يكن لمسجد الكوفة سور في بادئ الأمر بل كان صحنه مكشوفاً يحيط به خندق، وله سقيفة يستظل بها المصلون في الجهة الجنوبية من الصحن، ثم أحيط المسجد بسور من اللبن والطين. ويذكر أن الجامع كان يتسع لأربعين ألف مصل، واهتم من تولى الإمارة بعد سعد بن أبي وقاص بالمسجد حيث تم توسيعه وتجديده عدة مرات.
وفي عهد زياد بن أبيه، وسع المسجد بحيث صار الجامع يتسع لستين ألف مصل، وبني بالأجر واستخدمت الأعمدة الحجرية في بناء المصلى. وقد دلت الحفائر الأثرية التي أجرتها الهيئة العامة للآثار في مسجد الكوفة وما حوله، على أن المسجد كان قد أقيم على أرض مربعة الشكل تقريباً، طول ضلعها (110 أمتار) بانحراف قليل عن زاوية القبلة بمقدار سبع عشرة درجة، ولوحظت فروقات طفيفة في طولها. وكانت هذه الجدران مرتفعة يدعمها من الخارج أبراج نصف دائرية ارتفاعها بارتفاع الجدران يصل إلى نحو (20 متراً) تقريباً، وأثبتت التنقيبات أن هذه الجدران عمقها في الأرض خمسة أمتار ونصف، وترتفع الأبراج الأسطوانية القائمة في الأركان أنصافها القائمة ما بين ركني كل ضلع بارتفاع السور القائم فيه. وأثبت لنا المنقب محمد علي مصطفى الذي قام بأعمال التنقيب عام 1936 أن البناء الحالي يعود إلى العهد الأيلخاني.
وكان سقف بيت الصلاة يستند على أعمدة ذات تيجان جميلة كما كان مشيداً بالآجر والجص. إن بقايا مسجد الكوفة القديم تقوم تحت الجدران الحالية ويستدل من المراجع التاريخية على أن الجامع في عهد زياد بن أبيه كان يتألف من مصلى ومؤخرة تطل جميعها على صحن يتوسط البناء، ويذكر أن زياداً كان قد اتخذ مقصورة في هذا المسجد، وأن الحجاج قد أمر ببناء ما تهدم من جدرانه.
حالة المسجد الراهنة :
يقوم المسجد الحالى على أسس المسجد القديم، وجدرانه الداخلية مدعمة بأبراج نصف دائرية يبلغ مجموعها (28) برجاً، ويرتفع هذا السور والأبراج التي تدعمه إلى علو (20 متراً) (شكل رقم 2). الجانب القبلي من المسجد تقوم خلفه دار الإمارة مباشرة، ودلت الحفائر الأثرية على وجود مدخل كان يربط ما بين الدار والمسجد مباشرة(41)، ويتوسط الجامع صحن مكشوف تتخلله مجموعة من المحاريب تعود إلى أزمنة مختلفة تعرف عند عامة الناس بالمقامات، وهناك سرداب ينزل إليه بمدخل بواسطة سلم وهناك سلم آخر للخروج منه، وفي وسط الصحن مكان يعرف بالسفينة أو التنور، وهو عبارة عن سرداب ينزل إليه بواسطة سلم يصل إلى باحة مكشوفة تصل إلى حجرة صغيرة فيها محراب وسقيفة معقودة بالآجر على شكل مثمن، تحيط بفناء السفينة عدة أواوين ذات عقود مدببة. واستناداً إلى الزخارف الآجرية التي تزين واجهة هذه الأواوين يرجع تاريخها إلى القرنين السادس والسابع الهجريين(42). وأرض المسجد حصباء غير مبلطة، وتحف بالصحن مجموعة من الأواوين، ويحتوي كل إيوان على غرفة لنزول زوار المسجد، وكلها حديثة البناء.
ويلتصق بالمسجد من الجهة الشمالية الشرقية بناء يضم قبري مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، بينهما مدخل يؤدي إلى فناء المسجد، وعلى كل من القبرين قبة مزينة بالقراميد ذات الزخارف النباتية والكتابات، أما الضلع القبلي فيشتمل على بيت الصلاة ويضم محراباً مزداناً بالزخارف النباتية والهندسية وبوابة ذهبية، حيث يكون مقام أمير المؤمنين الإمام علي (ع) ويعتبر هذا المحراب من التحف الفنية البديعة ومن أجمل ما هو موجود في المسجد، هذا المحراب هو غير المحراب الأصلي للجامع، في أعلاه كتابة نصها : "هذا مقام أمير المؤمنين "، وإلى يمين المحراب أقيم منبر المصلى. وذكر الدكتور كاظم الجنابي أن جميع هذه العناصر المعمارية التي وجدناها في الجامع والمصلى قد شيدت في أزمنة مختلفة(43).
دار الإمارة :
تعد دار الإمارة في الكوفة أقدم ما عثر عليه من عمائر إسلامية في العراق، بل أقدم دار إمارة كشف عنها حتى الآن في العالم الإسلامي. كانت هذه الدار مربعة طول ضلعها (110 أمتار)، أي بطول ضلع المسجد تماماً (شكل رقم 3). وكشفت التحريات الأثرية التي قامت بها الهيئة العامة للآثار عام1938 ، بأن هذه الدار بناها القائد سعد على مقربة من الجامع يفصل بينهما شارع تمت إزالته فيما بعد. ووصل بين البنائين بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب بعد سرقة بيت المال من هذه الدار. وقد كشفت التنقيبات عن باب في جدار القبلة يصل بين المسجد والدار التي جددها الوالي زياد بن أبيه عندما أعاد بناء المسجد، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً(44). أحاط زياد الدار بسور آخر خارجي كما قام بتدعيم وإعادة بناء السور الداخلي، وفي عهد الخليفة عبد الملك جرت على دار الإمارة تعميرات وتجديدات. ويبدو أن الدار كانت مميزة جداً، فشبهت بقصور الحيرة، وآخر من ذكرها الرحالة ابن بطوطة الذي قال عنها إنها متهدمة، ولم يذكر شيئاً عن مساحتها وتخطيطها. وظل الأمر على هذه الصورة إلى أن قامت الهيئة بالتنقيب عام1938 ، وكشفت لنا هذه التنقيبات عن معالم تخطيطها وزخارفها، وتبين لنا أن الدار مكونة من عدد من الأبنية المنشأة أحدها على بقايا الآخر الأقدم منه.
الطبقة الأولى، وهي البناية التي يعود تاريخها إلى سعد بن أبي وقاص، وظهرت أسسها نازلة بعمق (90سم)، أما الطبقة الثانية، فتظهر أن الدار تتألف من وحدات بنائية عديدة لكل منها فناء واسع، ويحيط بها سوران داخلي وخارجي، مربعا الشكل : طول ضلع السور الخارجي (170م)، وهو مبني بالآجر والجص تدعمه أبراج نصف دائرية، ستة منها في كل ضلع عدا الضلع الشمالى الذي يدعمه برجان فقط، أما السور الثاني (الداخلي) فيتصل ببناية القصر الرئيسية، وهو مربع الشكل طول ضلعه (110م)، ودعم بأبراج نصف دائرية، أربعة أبراج على كل من أضلاعه الأربعة، كما كشفت التنقيبات عن الوحدات البنائية القائمة بين السورين، أن في كل ضلع من أضلاع السور الداخلي مدخل أو مداخل أضيفت في فترات لاحقة، أما المدخل الرئيسي فهو يقع في منتصف الضلع الشمالى مواجهاً للمدخل الرئيسي في السور الخارجي، وجميع هذه المباني تعود إلى العصر الأموي.
أما الطبقة الثالثة، وهو قصر عباسي، له سوران سور خارجي، وهو سور الطبقة الثانية نفسه بعد ترميمه، وسور داخلي جديد، ويضم هذا السور قصراً عباسياً ووحدات بنائية متنوعة التصاميم بعضها تمثل حمامات ومخازن ومباني أخرى، ولكل من هذه الوحدات فناء واسع مبلط تطل عليه بوائك متناظرة.
كما شيدت غرف بعد هدم القصر العباسي في القسم الشمالى من المبنى يظن أنها بنيت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، وهناك مباني أخرى متقدمة تقوم فوق أنقاض السور الداخلي ومرافقه تعود إلى العصر الأيلخاني، استناداً إلى نوع الآجر المستخدم في بناء المرافق وإلى نوع الفخار، والعثور على الدراهم الأيلخانية فيها. وقد أظهرت التنقيبات في بعض الغرف زخارف مكونة بطريقة التلاعب في رصف الآجر، وقطع من الزخارف المحفورة على الجص، وكذلك زخارف مرسومة بالألوان المائية وكتابات دونت بخط كوفي، إضافة إلى بعض اللقى من فخار وخزف وزجاج ومسكوكات ومعادن يرجع تاريخها إلى العصرين الأموي والعباسي.
كما كشفت التنقيبات الأثرية تفاصيل تخطيط أبنية الدار الداخلية، إذ تبين أن الدار قد هدمت وأعيد بناؤها في العصر العباسي الأول، وشمل الهدم السور الداخلي وما يضمه من أبنية أضيفت له. وظلت الدار مستعملة لفترة طويلة بعد ذلك إلى العصر الأيلخاني، وأحدثت فيها غرف وقاعات وأروقة تطل على باحة مكشوفة تحيط بها من كل الجوانب، وبعض هذه المرافق كانت مخصصة لأمور رسمية، وبعضها الآخر كان خاصاً بالسكن والخدما ت الأخرى. وخلال الحكم الأيلخاني بقيت هذه الدار مستعملة وجرت عليها بعض التجديدات غيرت من معالم البناء، واتضح لنا من تخطيط هذه الأبنية وعمارتها أن الطراز الذي ساد وانتشر في العراق خلال القرون السابقة لتجديد بناء الدار هو أيضاً المتبع في بناء هذه المرافق، ويسمى بالطراز الحيري الذي كان سائداً في العراق قبل الفتح الإسلامي.
وملاصقة لدار الإمارة من الجهة الغربية وعلى بعد (85م) من مسجد الكوفة، يشاهد الزائر بناية صغيرة تعرف بين عامة الناس ببيت الإمام علي، وهو يقوم على أنقاض أبنية الدار الأصلية، حيث يقال إن الإمام علي كان قد سكن فيه، وأنه كان قد غسل فيه بعد استشهاده، وقد جرت على البيت تعميرات كثيرة.
لقد شهدت مدينة الكوفة نمواً حضارياً كبيراً في العهود العربية الإسلامية المتوالية، وكانت من أكبر وأهم مدن العراق حتى تشييد وإعمار مدينة السلام بغداد.
واليوم مدينة الكوفة هي مركز قضاء تتبع إدارياً لمحافظة النجف، وتغطي مباني بلدة الكوفة الحديثة الآن أجزاء واسعة من أنقاض الكوفة القديمة التي توجد على مسافة 2 كم إلى الجنوب الغربي من الكوفة الحديثة.
مدينة الموصل : تاريخها وعمارتها
من المدن العربية الإسلامية الجليلة المتميزة بالرفعة والسمو وعلو المنزلة، إذ أن شعلة الحضارة لم تغب يوماً في سمائها، بل ظلت مصدر النور على توالي العصور، فكانت بحق مجمع كل المعارف والفنون، إذ يتجلى ذلك في نتاجها الفكري وفي بقايا معالمها الشاخصة المتمثلة في جوامعها ومدارسها ومشاهدها. والموصل كانت إحدى قواعد بلاد العرب والإسلام، ولها تاريخ حافل بالمآثر في التاريخ العربي الإسلامي(45).
وفي مجال العمارة، فإن مدينة الموصل تعد من المدن العربية التي رفدت الحضارة الإنسانية منذ العصور السابقة للإسلام في مجال العمارة والفنون، فهي وريثة نينوى عاصمة الآشوريين. وفي العصر الإسلامي لعبت الموصل دوراً مهماً في التراث العربي الإسلامي من خلال النواحي العلمية والفنية والعمارية المبتكرة أو المتطورة فيها، سواء التي اقتصرت على الموصل وغدت من سماتها المتميزة، أو التي انتقل تأثيرها إلى المناطق العربية الإسلامية الأخرى إبان العصور العربية الإسلامية، وأدت وظائفها العمارية والجمالية ولبت حاجات الإنسان على أفضل وجه، وهي بذلك قد لعبت دوراً هاماً في تطوير التخطيطات العمرانية عموماً وتخطيط المدن خصوصاً.
تقع مدينة الموصل على مسافة (409كم) إلى الشمال من مدينة بغداد، وهي اليوم مركز محافظة نينوى نسبة إلى العاصمة الآشورية الشهيرة نينوى ـ حيث تقوم أطلالها على الجانب الشرقي لنهر دجلة قبالة مدينة الموصل(46). ولهذه المدينة أهمية استراتيجية، فهي صلة الوصل بين الشرق والغرب عندها تلتقي طرق المواصلات الرئيسية التي تربط البحر المتوسط والخليج العربي. والموصل منفذ العراق الرئيسي على العالم الخارجي، يصفها القزويني في كتابه(47) بقوله : > المدينة العظيمة المشهورة التي هي إحدى قواعد بلاد الإسلام، رفيعة البناء والرقعة، محط رحال الركبان<.
تسمية الموصل :
إن مدينة الموصل استمدت، على الأرجح، اسمها من الخصوصية الجغرافية لموقعها، وكان هذا الاسم معروفاً، أطلقه العرب على موضع المدينة القديمة منذ عهود قديمة سبقت الفتح العربي الإسلامي لها. فكلمة الموصل عربية الاشتقاق تدل صيغتها على اسم المكان، أي بمعنى الملتقى(48). وكان العرب يطلقون اسم الموصل على الحصنين الشرقي والغربي(49)، كما كانوا يقولون عن الموصل وبلاد الجزيرة الموصلان. ويرى آخرون أنها سميت بالموصل لأنها وصلت بين العراق والجزيرة(50). وتسمى الموصل أم الربيعين لأن فصل الخريف فيها يشبه الربيع، وتسمى أيضاً الفيحاء لجمال ربيعها وكثرة أزهارها، ويسميها بعضهم البيضاء لأن دورها مبنية بالجص والرخام(51)، وتسمى الحدباء لاحتداب في دجلتها واعوجاج في جريانه(52).
وظلت الموصل مدينة محدودة إلى أن بزغ نجم الإسلام وسطع نور الرسالة السمحاء ليشمل مختلف البقاع، وكان ذلك سنة (16هـ/637م) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وأصبحت مركزاً للفتوحات الإسلامية إلى جانب بقية المدن الرئيسية الأخرى كالبصرة والكوفة.
وقد تولى أمر ولاية الموصل في البداية عدد من الولاة الذين ساهموا في فتحها أو فتح المناطق المجاورة لها، فكان أول من تولى ولاية الموصل ربعي بن الأفكل العنزي الذي كان على رأس الجيش الذي فتح الموصل في حدود سنة (16هـ/637م)، كما عمل إلى جانبه على الخراج هرثمة بن عرفجة البارفي(53)، ثم عهد بولاية الموصل إلى عتبة بن فرقد السلمي سنة (20هـ/640م) ليقوم بمهمة محدودة وهي إعادة الأمن والنظام فيها(54).
وفي سنة (22هـ/642م) تسلم ولاية الموصل هرثمة بن عرفجة البارقي واستمرت ولايته على الموصل حتى عام (34هـ/654م)، وخلال هذه الفترة قام هرثمة بأعمال عمرانية منها تخطيط الموصل وتعميرها، فقد ذكر البلاذري أن أول من اختط الموصل وأسكن فيها العرب ومصرها هرثمة بن عرفجة البارقي(55) بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، ثم بنى المسجد ودار الإمارة على غرار ما خططت به البصرة والكوفة. واستمرت الموصل بالتوسع وغدت من الأمصار المهمة وهاجرت إليها القبائل العربية من الكوفة وغيرها لما لاقاه سكانها العرب وغيرهم من حسن معاملة المسلمين القائمين فيها.
وفي خلافة عثمان (35-24هـ) نزلتها قبائل الأزد وطي وكندة وعبد قيس، وقد بلغ عددهم أربعة آلاف. وخلال العهد الأموي ازدادت أهمية الموصل ونالت اهتمام الأمويين نظراً لموقعها الحربي ومركزها الاقتصادي وبعدها عن الفتن، كما شهدت أوضاعاً اقتصادية واجتماعية وثقافية متميزة. وممن تولاها بعناية سعيد بن عبد الملك الذي بنى سور الموصل(56). وفي عهد الخليفة هشام بن عبد الملك بنى والي الموصل الحربن يوسف قصراً تفنن في بنائه وزخرفته وطلي سقوفه بماء الذهب، وسماه بالمنقوشة لأنه كان منقوشاً بالرخام والساج والفصوص الملونة(57). وفي عهد مروان بن محمد نصب عليها جسراً وسورها واعتنى بطرقها وسورها وبنى قلعتها، ووسع الجامع.
وفي العصر العباسي خرجت الموصل عن طاعة واليها محمد بن هول في عهد الخليفة أبي العباس مما أدى إلى هدم سورها وقتل أكثر سكانها، إلا إن هذه المدينة حظيت باهتمام المنصور سنة (136هـ/753م).
كما أن الخليفة المهدي أمر بتوسيع الجامع سنة (167هـ/783م) بعد إضافة الأسواق المحيطة به، إلا أنه سرعان ما نكبت هذه المدينة وهدمت أسوارها من قبل الخليفة هارون الرشيد سنة (170هـ/786م) بعد ثورة المدينة عليه(58). وذكر الأزدي أن أسواق الموصل كانت حول جامعها، وفي هذه الأسواق حمامات وخانات وفنادق لنزول التجار.
تخطيط مدينة الموصل :
لا نـملك معلـومات تفـصيلية عـن شـكل المـدينة عنـد تمـصـير العــرب لهـا عــام (16هـ/637م)، إذ أمسـكت المـصادر العــربية عـن ذكـرها، وقـد يـرجـع السبب في ذلك إلـى أن هـذه المـدينة خـلت عـند التـأسـيس مـن الأسـوار أو الخـنادق التـي تشـكل عـادة هـيئة الـمدينة ومخططها الخارجي، إلا أن المقدسي قال : >البلدة هذه تشبه طيلسان مثل البصرة (المستطيل)(59) حيث تمتد من الشمال إلى الجنوب بمحاذاة نهر دجلة.
السور :
إن طبيعة نشوء مدينة الموصل كان حربياً، حيث إنها في البداية كانت بمثابة حصن دفاعي عن نينوى عاصمة الآشوريين، وكان لابد من تحصينها، وبناء السور هو أحد مستلزمات هذا التحصين. إلا أن هذا التحصين لم يبق على حاله نتيجة زيادة عدد سكان هذه المدينة باستمرار بعد الفتح الإسلامي، فكان السور يرمم ويوسع في مناطق الزيادة لاحتواء هذه الأبنية التي خارجه. وهكذا استمر السور يتجدد إلى أن هدم من قبل الخليفة العباسي هارون الرشيد سنة (180هـ/796م).
وكان لهذا السور عدة أبواب، بابه الرئيس هو باب الميدان (باب سنجار) وكانت عليه قنطرة(60). وكان حول هذا السور خندق حفره مروان بن محمد عندما جاء إلى الموصل زيادة في تحصين المدينة عندما شعر بالخطر(61).
والمخطط العام لهذه المدينة هو فناء واسع وفيه سوق الأربعاء والجامع، وهو يقوم على مرتفع من الأرض باتجاه النهر وينزل منه إلى النهر بواسطة درج، والأسواق ثم الدروب، ويتخلل الهيكل الكثير من المنشآت والمباني.
الجامع الأموي :
يقع هذا الجامع في محلة الكوازين، وهو اليوم جامع صغير يعرف بجامع الكوازين، كما يسمى أيضاً بجامع المصفى. وهو أول مسجد شيد في الموصل، وكان هذا في سنة (16هـ/637م). وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى إن عتبة بن فرقد السلمي الذي ولاه الخليفة عمر بن الخطاب ولاية الموصل قام في سنة (17هـ/638م) ببناء أول دار للإمارة في الجانب الغربي من الموضع الذي يعرف بـ (تل قليعات) وشيد إلى جواره من الجهة الجنوبية المسجد الجامع(62). وقد تم توسيع هذا الجامع في زمن ولاية عرفجة بن هرثمة سنة (22هـ/642م) بعد أن ضاق بالمصلين، وصار هذا المسجد بعد هذه التوسعة يتسع لأكثر من أحد عشر ألف مصلٍ(63). لقد مر بناء الجامع خلال العهود الإسلامية المتوالية بأدوار بنائية عديدة بدأت في أوائل القرن الثاني للهجرة عندما أخذ الجامع يضيق بالمصلين فوسعه الخليفة الأموي مروان بن محمد وبناه بشكل يتلاءم وكثرة المسلمين، مع إضافات على الجامع زيادة في هيبته واحترامه، وبنى فيه مطابخ ومنارة لا نعلم موضعها بالضبط لأنها أزيلت فيما بعد، وبنى مقصورة في بيت الصلاة لكي يصلي فيها(64). وكان المسجد ملاصقاً لدار الإمارة وحوله الأسواق، ومنذ ذلك اليوم سمي الجامع بالجامع الأموي. وفي خلافة المهدي أمر واليه على الموصل موسى بن مصعب الخثعمي سنة (167هـ/783م) بتجديد عمارته وتوسيعه وذلك بضم الأسواق التي تحيط بالمسجد إلى المسجد، وفتح له عدة أبواب في جهاته الأربع، وأصبح هذا الجامع بمثابة معهد تعقد فيه حلقات الدرس. هذا وقد أشار الأزدي إلى احتواء الجامع على دار للحديث تطل على شاطئ دجلة بالقرب من باب الأذان الذي يؤدي إلى النهر(65)، كما ألحقت به قاعات عديدة أعدت لإلقاء المحاضرات في مختلف العلوم الدينية واللغوية، وقد تخرج من هذا الجامع لفيف من العلماء في مجالات مختلفة.
وخلال حكم الأتابكة تم تجديد بنائه، إذ قام سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي في سنة (543هـ/1148م) بتجديد عمارته وزخرفته، وذلك بعد تقليص مساحته وإدخال إضافات جديدة إلى بعض أقسامه وبنى في وسط فنائه فوارة للوضوء جميلة المنظر(66). وللجامع مئذنة أتابكية مشابهة لمئذنة الجامع النوري من حيث البناء والريازة الزخرفية الآجرية، وتعرف اليوم بمنارة الكوازين، بينما يعرف الجامع بجامع الكوازين (شكل رقم 4).
هذا وقد أزيلت أغلب معالم المسجد خلال الحرب العالمية الأولى، ولم يبق منه سوى قاعدته وجزء من بدنه الغني بالزخارف الآجرية، وهو يقع اليوم على مقربة من الجامع الصغير الحالي، بينما كان في العهد الأتابكي من أكبر و أهم الجوامع في الموصل إلى أن أمر نور الدين زنكي بتشييد الجامع الجديد، وأصبح يعرف بالجامع العتيق. وبعد الغزو المغولي تداعى بنيانه وطمرت معالمه بين الأنقاض إلى أن شمل بأعمال التجديد بعد اختزال مساحته، ونقل محرابه الذي يعد من أنفس المحاريب المنحوتة من المرمر إلى الجامع النوري عام (1341هـ/1922م) من قبل وزارة الأوقاف. ولا تزال الوزارة والهيئة العامة للآثار يوليان اهتمامهما بهذا المبنى لأهميته الأثرية والتاريخية.
دار الإمارة :
أسس هذه الدار عتبة بن فرقد ليقيم فيها والي المدينة. تقع الدار على السطح الغربي من تل قليعات وبالقرب من الدار تقوم ساحة الميدان. وحينما تولى هرثمة بن عرفجة في سنة (22هـ/642م) ولاية الموصل وسع هذه الدار. ومما تجدر الإشارة إليه أننا لا نعرف شيئاً عن تخطيط هذه الدار وشكلها وأبعادها في عهد التأسـيس، كـما نـجهل حجـم توسـيع هـرثمة لها، إذ أن المصادر التاريخية لا تشير إلى ذلك(67). وفي عهد مروان بن محمد الذي تولى الموصل مرتين الأولى (105-102هـ/723-720م) والثانية (127-126هـ/744-743م) أعاد بناء الدار وتوسيعها، وذلك بإضافة ساحة الميدان إليها وإلى الجامع، وهي تمتد من باب الجسر من سوق الميدان الحالي إلى سوق الشعارين(68)، وقد اتخذ بينها وبين الجامع باباً يؤدي إلى ممر طويل فرشه بالبلاط. كما أن العباسيين اتخذوا الدار المذكورة دار إمارة لهم، وآخر من نزل فيها أحمد بن يزيد والي الرشيد، ولا نعرف على وجه التأكيد ما إذا كان الولاة العباسيين بعد أحمد بن يزيد قد واصلوا الإقامة فيها أم أنهم أقاموا في دار غيرها. وتذكر المصادر والمراجع التاريخية أن الحر بن يوسف عندما تولى إمارة الموصل عام (106هـ/724م) رفض النزول في دار الإمارة وأمر أن تبنى له دار سميت بالمنقوشة نظراً لكثرة زخارفها، حيث كانت مزينة بالفصوص الملونة والفسيفساء والساج المزخرف. وقد ابتدأ الحر ببناء هذه الدار فور وصوله إلى الموصل وسكنها بعد انتهاء العمل فيها، فأصبحت مقراً لإقامته وداراً للإمارة في الوقت نفسه(69). واستمر الحر يسكن فيها إلى سنة (135هـ/752م) حيث صادرها الوالي العباسي إسماعيل بن علي. وقد ظلت آثار المنقوشة باقية إلى أوائل القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي حيث أشار إليها المؤرخ الموصلي المشهور ابن الأثير سنة (630هـ/1232م) بقوله : أما الآن فهي خربة تجاور سوق الأربعاء(70).
لقد كان لموقع مدينة الموصل أثر كبير في تطور تاريخها الحضاري في مختلف العصور. وأول من انتبه إلى خطورة موقعها هو الفاروق عمر (رض) فاتخذها مركزاً للفتوحات، وجعلها قاعدة للأجناد الستة التي جندها(71).
مدينة واسط : نشأتها ـ تخطيطها ـ عمرانها
في العصر الإسلامي، وعلى أيام الخليفة عمر بن الخطاب، أنشئت شبكة من المدن العسكرية بعد فتح العراق، فأصبحت فيما بعد مراكز للإمارة، فمصرت البصرة مقابل الأيلة في جنوبه، والكوفة في الوسط قرب الحيرة وحديثة الفرات قرب الموصل، والموصل شمال العراق على نهر دجلة. كما شجع الخلفاء القبائل العربية على الهجرة إلى المدن الجديدة والمراكز الأخرى كالمدائن والأنبار وكسكر وميسان للالتحاق بالقوات العربية المقاتلة وجعلوا ذلك شرطاً للعطاء(72). ووزعت الأراضي عليهم ليستقروا عليها، وذلك ضماناً للاستيطان والاستقرار، وتوكيداً للإدارة والفتح، وتوثيقاً للسيادة الإسلامية فيها(73). وتقف واسط مثالاً حياً للمدن التي نشأت بفعل هذا العامل.
تعد مدينة واسط خامس مدينة رئيسية بناها العرب في العراق، بناها الحجاج بن يوسف الثقفي عندما تولى ولاية العراق في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان (86-65هـ/705-684م). وكان الحجاج من أكفأ رجال الخليفة عبد الملك، ولاه العراق لإعادة النظام والاستقرار فيه ومواجهة ثورة الأزارقة(74). أقام الحجاج عند دخوله العراق بالكوفة سنة ومثلها في البصرة، وأخمد الفتن في المدينتين وفارس. ولكي يسيطر على هذه المناطق شيد على ضفة نهر دجلة الغربية جنوب مدينة الكوت الحالية بلدة سماها واسط لتوسطها بين البصرة والكوفة، وجعلها مقر حكمه وأسكن أهل الشام فيها، وأخضع لهم المناطق التي كانت تابعة لولايته. بقي الحجاج زهاء العشرين سنة والياً على العراق حتى توفي في أواسط عام (95هـ/713م) ودفن فيها.
التسمية :
لم تكـن واسـط معـروفة بهـذا الاسـم قبـل نشـأتها، وإنـما كـانت أرضـاً مرتفـعة خـالية مـن السـكان تـقع عـلى الضـفة الغـربية مـن نهـر دجــلة شمــال البطـيحة غـربي مـدينة كسـكر. وذكـر اليعـقوبي واسط بقوله : "واسط هي مدينتان علـى جـانبي دجـلة، فالمدينة القديمة في الجانب الشرقي من دجلة، وابتنى الحجاج مـدينة في الجـانب الغربي وجعل بينهما جسراً من السفن "، وأطلالها اليوم تعرف بالمنـارة.
ولاشك أن اسم المدينة الجديدة واسط له علاقة مباشرة بموقعها بالنسبة للمدن العراقية، وخصوصاً المصرين والأحواز ؛ فهي تتوسط هذه المدن الثلاث. ومن المؤكد أن اسمها جاء من موقعها هذا. وقيل إن أرضها كانت أرض قصب لذلك سميت واسط القصب(75)، وقيل واسط لأن موقعها يتوسط بين البصرة والكوفة والأحواز، فهو يبتعد خمسين قدماً عن كل من المواقع الثلاثة. وذكر البلاذري أن الحجاج عندما فرغ من بناء مدينته كتب إلى عبد الملك بن مروان قائلاً : " اتخذت مدينتي في كرشى من الأرض بين الجبل والمصرين وسميتها واسطاً"(76). وأرجح هذه الأقوال والآراء قول البلاذري باعتباره حجة في الفتوح والخطط، ولأن الإسم تسمية جديدة أطلق عليها، واستحدث عند بنائها، وأنه عربي.
دوافع بناء واسط :
من المؤكد أن الباعث العسكري كان في قمة الأهداف التي دفعت الحجاج إلى بناء واسط(77)، إذ ساهمت ظروفه الإدارية القلقة في إنشاء المدينة، هذا إلى جانب عوامل أخرى منها أن الحجاج أحس أنه من الصعب الاستمرار بإدارة القطر من الكوفة والبصرة حيث كان يقيم ستة أشهر في كل منهما. وتذكر المصادر التاريخية أن موقف أهل الكوفة كان غير ودي تجاهه، إلى جانب ذلك جابه الحجاج العديد من الثورات المؤثرة مما سبب له خسائر هددت كيان الدولة الأموية، وكان لها تأثيرها المباشر على عائلته، حيث أسرت امرأتاه وتعرض للحصار في دار إمارته. كل هذه الأسباب وما نجم عنها من إرباك إداري أثر عليه، مما جعله يفكر جدياً في بناء مدينة جديدة له تسهل مهمته، خصوصاً أن مدينتي البصرة والكوفة لم تكونا حصينتين آنذاك(78)، لذا بعث الحجاج إلى الخليفة عبد الملك يستأذنه في بناء مدينة جديدة له. وعندما قرر البناء ألف لجنة من أصحاب العلم والدراية في قضايا الصحة والزراعة والري والتجارة لاختيار الموقع المناسب لإنشاء المدينة. وحدد الحجاج بعض الصفات التي يجب أن تتوفر فيها، منها أن يكون الموقع مرتفعاً وعلى ضفة نهر جار عذب الماء، وأن يكون مناخ المنطقة جيداً. فوقع اختيار اللجنة على قطعة من أرض مرتفعة تتوسط المدن المهمة فيه، وهي الكوفة والبصرة والمدائن. ويبدو أن موقع واسط قد أعجب الحجاج نظراً لما يتمتع به هذا الموضع من مزايا عسكرية ومناخية واقتصادية، لذا بعث من يشتري له الموضع فاشتراه من صاحبه داوردان بعشرة آلاف درهم ليقيم عليه بعد أن أذن له الخليفة عبد الملك بن مروان بالبناء.
ولاشك أن الموضع المختار لهذه المدينة يكشف عن عقلية متميزة أرادت لهذه المدينة أن تكون معسكراً حصيناً أرضاً، وبناءً لجند الشام ودار هجرة لهم ولعوائلهم، ومركزاً إدارياً تسهل الحركة منه إلى كافة أنحاء العراق حيث يبعد بحدود (350كم) عن البصرة والكوفة والأحواز والجبل، وتقع بين دجلة والفرات في منطقة سهلة خصبة عرفت بإنتاجها الزراعي. ولم يمض وقت طويل على إنشاء المدينة حتى ازدهرت فيها التجارة والصناعة، هذا بالإضافة إلى الزراعة، وصارت من أهم المراكز السياسية والإدارية في العراق.
تاريخ البناء :
اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ الابتداء في إنشاء مدينة واسط، فهناك بعض الوثائق التاريخية التي تظهر أن بناءها كان قد بدأ عام (80 أو81 هـ/699 أو700 م) واستغرق البناء فيها ثلاث سنوات(79) بعد أن أخمد المعارضة ووطد الأمن والاستقرار في العراق، وكان ذلك بعد مضي خمس سنوات من بدء مهمته عام (75هـ/694م)(80). كانت واسط منذ تأسيسها شطرين يفصل بينهما نهر دجلة، والشطر الثاني وهو الشرقي أقدمها يدعى كسكر، حيث استحدث الحجاج مقره قبالتها على شاطئ دجلة الغربي حيث عاش العرب وحدهم فيها في بادئ الأمر، ثم سمح بعد موت الحجاج لغيرهم بالسكن فيه، واتحد الشطران وتألفت منهما مدينة واسط واتحد سكانها جميعهم(81).
تخطيط المدينة :
يعتبر تخطيط مدينة واسط خطوة إلى الأمام إذا ما قورنت بتخطيط مدينة البصرة والكوفة، على الرغم من أن المبادئ الأساسية في تخطيطها هي استمرار متطور للصيغ التي اتبعت في بناء البصرة والكوفة، فقد جعل الحجاج المسجد الجامع ودار الإمارة في مركز المدينة، وهذا ما أثبتته التنقيبات الأثرية التي أقامتها الهيئة على الجدار القبلي في مسجد الحجاج(82)، وبالقرب منها أقيمت دواوين الحكومة ودار الرزق والسجن(83). وترك فراغاً حول هذا القسم، والذي يسمى بالرحبة، ليشرع منه الطرق، ثم عين مكان السوق العام منه، وبعدها شرع القطائع للقبائل ليقيموا فيها، فاختطت كل قبيلة المكان المخصص لها، وكانت خطط الناس بهيئة أربعة أرباع تفصلها شوارع عامة تنتهي في الفضاء وتتقاطع هندسياً عند دار الإمارة .
وكان قد أقيم في داخل المدينة عدد من الرحبات الواسعة نعرف منها ثلاثاً، أكبرها رحبة كانت قريبة من السوق في جنوبها ومساحتها (300x300م)، وفي الجانب الغربي أيضاً سجن الحجاج المعروف بالديماس.
المسجد الجامع :
يقع المسجد الجامع الذي بناه الحجاج في الضفة الغربية من المدينة، وهو يجمع بين البساطة والجمال كمسجد الكوفة، وقد بنى الحجاج قصره في وسط المدينة أيضاً بمساحة ( 400x400ذراع)، وإلى جواره المسجد الجامع، والذي كانت مساحته (200x200 ذراع)، وهي ظاهرة جديدة في تخطيط المساجد والقصور، إذ كانت مساحة المسجد بنفس مساحة القصور أو أكبر منها عموماً. ونتيجة للتنقيبات التي أجرتها الهيئة سنة 1936، ولمدة ستة مواسم متتالية، في موقع الحجاج ودار الإمارة ظهرت للهيئة أسس(84) (شكل رقم 5). والمسجد مربع الشكل طول ضلعه 200 ذراع شيد بالآجر والجص وفرشت أرضيته بالآجر أيضاً، يتألف من صحن مستطيل تحيط به أروقة من الجهات الأربع أعمقها رواق القبلة، وفيه خمسة صفوف من الأعمدة الأسطوانية الضخمة من حجر رملي، وهذه الأعمدة موازية لجدار القبلة مكونة خمسة أساكيب متساوية عدا أسكوب المحراب فهو أقل عرضاً منها، وفي كل صف منها ثمانية عشر عموداً مكونة تسع عشرة بلاطة غير متساوية العرض. فقد اتسعت بلاطة المحراب وصغرت البلاطتان المتطرفتان قليلاً عن مستوى اتساع جاراتها، أما المجنبتان ففي كل منهما صف واحد من الأساطين عددها اثنتا عشرة أسطوانة، وفي المؤخرة أقيم صف واحد من ثمان عشرة أسطوانة. ومما يجلب الانتباه أننا لم نعثر على آثار أسس محر اب مجوف في جدار القبلة. ويعتقد د.غازي رجب في كتابه العمارة العربية في العصر الإسلامي في العراق أن المحاريب المجوفة دخلت إلى المساجد بعد هذا التاريخ على الأغلب.
هذا فيما يتعلق بالجامع الأول أما الجامع الثاني فقد أنشئ سنة (400هـ/1009م)، وفي وسط الضلع الجنوبي محراب مجوف، وقد تم بناء هذا الجامع على أسس جديدة. والجامع الثالث أقيم على أسس الجامع الثاني حوالى سنة (550هـ/1155م)، يحتوي تخطيطه على محراب يتوسط جدار القبلة امتاز بتخطيطه السداسي. أما الجامع الرابع، فقد جعل فوق الجامع الثالث وقد زادت مساحته بإضافة بلاطة واحدة على جانبي المصلي، وجعل للمصلى محراب مجوف غائر. ويعود بناء هذا الجامع، على حسب قول المنقب محمد علي مصطفى، إلى عهد الحكم الأيلخاني الذي استمر حتى منتصف القرن الثامن الهجري(85). ويذكر بحشل الواسطي أن في مسجد واسط مقصورة، أما منارته فقد استحدثت في الجامع عام (304هـ/916م)، غير أن عمارتها لم تدم طويلاً، فقد تهدمت و زال أثرها عام (497هـ/1103م).
وتشـير النـصوص التـاريخية بخـصوص تخطـيط الـجامع أنـه فتـح فـي جـدرانه أحـد عـشر باباً، أربـعة منـها في كـل من المجنـبتين والبقـية فـي جدار المـؤخرة. وكـما قـلنا سـابقاً، فإن التنـقيبات الأثـرية كشفت لنا أن الجامع قد هدم وأعيـد بنـاؤه عام (400هـ/1010م) وبـدون إحـداث زيـادة فـيه أو تغـيير فـي تخطـيطه، واستـعملت نفـس الأعـمدة التـي كـانت قائمة فـي المـسجد الأول، وكـان الهـدف مـن هـدم البـناء هـو تصـحيح القبـلة ؛ فـقد كـان جـدار القبـلة فـي الجـامع الأول منـحرفاً بمـقدار (34 درجة) عـن الخـط القبلي الصحيح. وهدم الجامع مرة أخـرى عام (550هـ/1155م) وأعيد بناؤه على نفس المساحة وبنفس التخطيط، وكما أشرنا يبدو أن هناك إصلاحاً آخر قد حدث في بناء الجامع خلال العصر الأيلخاني، حيث تم توسيعه، وتم ترميم الجدران المتهدمة، ودعم من الخارج باثني عشر برجاً، وفتـح في واجهـته الشمالية ثلاثة أبواب، وفي كل من جانبيه الشرقي والغربي أربعة أبواب، وباب ضيق في جدار القبلة بجوار المحراب، وبقي محراب الجامع الثالث على حاله في العهد الأيلخاني، ولكن أضيف إلى جانبه الشرقي محرابان صغيران. وتجويف المحراب قليل العمق، وقد اندثر المحرابان فيما بعد، ولم يبق سوى معالم أسسهما.
دار الإمارة (قصر الحجاج) :
شيده الحجاج بن يوسف الثقفي عندما بنى مدينة واسط، وكان يسمى بقصر الحجاج أو قصر القبة الخضراء. وكما رأينا سابقاً كانت واسط عند تأسيسها شطرين يفصلهما نهر دجلة، والشطر الشرقي أقدمهما ويدعى كسكر، حيث استحدث الحجاج مقره قبالتها على شاطئ دجلة الغربي ؛ أي أن الدار بنيت في الجزء الغربي وجعلها ملاصقة للضلع القبلية للمسجد الجامع وفق الطريقة المتبعة في تشييد دور الإمارة في كل من البصرة والكوفة والموصل والفسطاط والقيروان (شكل 6). وجعل على مقربة من القصر سوقاً عامراً كان فيه كل صنف من الصناعة. وكانت هذه الأسواق واسعة تمتد من القصر حتى شاطئ دجلة شرقاً وإلى درب الخزارين جنوباً. وكان درب الخزارين شارعاً عظيماً يبتدأ من القصر ويمتد جنوباً إلى الغرب من السوق وينعطف شرقاً جنوب السوق(86). وقد أظهرت التنقيبات التي أجريت على القصر وجود بعض أسسه، إلا أن الهيئة لم تتمكن من تتبع تخطيط القصر بسبب الأنقاض الهائلة المتراكمة فوقه. وأظهرت تنقيبات الموسم الأخير جزءاً صغيراً من الجدار الشمالى الشرقي، وبرجين قائمين عند نهايته، وقسماً من الجدار الشمالى الغربي، ونحو ثلاثين متراً من الجدار الجنوبي الشرقي، وكذلك باباً واحداً يقع في منتصف المسافة بين الزاوية الغربية للجامع والزاوية الشمالية للقصر. أما داخل القصر، فقد تم العثور على أسس متقاطعة تقوم في تقاطعها قواعد لأعمدة مشيدة بآجر مربع وأسس لأروقة تتكون من ثلاثة مداميك من الآجر. وقد ظهر أن كل بلاطة في القصر تتألف من تسعة عشر رواقاً تساوي فسحتها فسحة أروقة الجامع وتتناظر معها. وذكر ابن رستة بأن القصر فيه قبة خضراء ترى من مكان بعيد يعرف بفم الصلح الواقع على بعد (35كم) شمال واسط. ولابد من الإشارة إلى أن مساحة القصر (400 ذراع)، وكان له أربعة أبواب، ولعل القبلة ذاتها كانت قائمة في قصر باب الذهب المعروف بقصر المنصور.
وكان لهذه الدار حديقة واسعة وبركة ماء، وكانت أبوابها الأربعة تؤدي إلى طريق عرضه ثمانون ذراعاً، وهي الطرق الرئيسية التي تخترق خطط المدينة، فيكون موضع القصر في قلب المدينة كما هو الحال بمدينة بغداد. وكان شارع الخوارزمي ذاته شارعاً عظيماً يبتدأ من القصر ويمتد جنوباً من الغرب من السوق وينعطف شرقاً جنوب السوق ثم يقترب من دجلة(87). ويذكر أن الحجاج قطع لأهل كل تجارة قطعة لا يخالطهم غيرهم، وأمر أن يكون مع أهل كل قطعة صيرفي.
لقد أثبـتت التنقـيبات الأثـرية التـي أجـرتها الهـيئة في واسـط صـحة ما ذكـرته المـراجع حـول مسـاحة وطبـيعة الأبنـية التـي شيـدت، وأن المسجد ودار الإمارة مربـعا الشـكل تقـريباً، إلا أن الإضـافات والتـحويرات الـتي نفـذت في الموقع جعلت مـن الصـعب تحـديد مرافـقها والعـناصر العمارية والزخرفية فيها. إلا أن التخـطيطات الأرضية توضح لنا أن البناء قد اعتمد في تخطيطه على الطراز الحيري الذي تمتد جذوره إلى العصور القديمة في بلاد ما بين النهرين، واستخدمت مادة الآجر والجص في بناء القصر، هذا بالإضافة إلى استخدام الأعمدة المصنوعة من عدة قطع أسطوانية مركبة الواحدة فوق الأخرى، ويتوجها تاج يزدان بزخارف نباتية جميلة تدل على أسلوبها الإسلامي المبتكر الذي شاع وانتشر بعد ذلك في العالم الإسلامي.
إن معلوماتنا عن استعمال القصر بعد الحجاج وبعد العهد الأموي محدودة، إلا أنه ظل ماثلاً إلى الربع الأخير من القرن السادس الهجري.
ـــــــــــــــ
(1) زيدان، جرجي، تاريخ التمدن الإسلامي، مطبعة الهلال، 1974، ج 2/15.
(2) ابن الفقيه، أبو بكر أحمد بن محمد الهمذاني، مختصر كتاب البلدان، مطبعة بريل، 1902، ص 188.
(3) دائرة المعارف الإسلامية، ج3 ، ص 669.
(4) الحموي، ياقوت، شهاب الدين أبو عبد الله بن عبد الله الحموي، البغدادي، معجم البلدان، ليبزك، 1873-1866، ج 1، ص641 .
(5) مجلة لغة العرب، سنة 1914-1913، ص436 .
(6) الحموي، المصدر السابق، ج1 ، ص433 .
(7) البلاذري، المصدر السابق، ص350 .
(8) المصدر السابق، ص347 .
(9) ابن الفقيه، أبو بكر أحمد بن محمد الحمداني، مختصر كتاب البلدان، مطبعة بريل،132 ، ص113 .
(10) الحموي، المصدر السابق، ج1 ، ص33 .
(11) شريف يوسف، تاريخ فن العمارة العراقية في مختلف العصور، بغداد،1982 ، ص 230.
(12) ابن حوقل، أبو القاسم محمد بن علي، صور الأرض، تحقيق كريم، طبع ليدن،1938 ، ج1 ، ص92 .
(13) سلمان، دار، عيسى، "تخطيط المدن العربية"، مبحث نشرفي كتاب حضارة العراق، بغداد،1985 ، ج 8، ص 12.
(14) البلاذري، المصدر السابق، ص347 .
(15) سلمان، العمارات العربية الإسلامية، ج1 ، ص49 .
(16) البلاذري، المصدر السابق، ص347 .
(17) الحموي، المصدر السابق، ص333 .
(18) البلاذري، المصدر السابق، ص347 .
(19) المصدر نفسه، ص943 .
(20) سلمان، المصدر السابق، ج1 ، ص51 .
(21) الحموي، المصدر السابق، ج1 ، ص432 .
(22) البلاذري، فتوح البلدان، ج1 ، ص347 .
(23) ياقوت، معجم البلدان،ج1 ، ص433 .
(24) البلاذري، المصدر السابق، ص349 ، الكوفة.
(25) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، مطبعة الاستقامة، مصر، 1966، ص124 .
(26) الألوسي، سالم، مدينة الكوفة، طبعة بغداد، وزارة الثقافة،1965 ، ص17 .
(27) البلاذري، فتوح البلدان، ص279 .
(28) الطبري، تاريخ الطبري، حوادث17 هـ.
(29) الألوسي، مدينة الكوفة، ص 17.
(30) مهدي، علي، مدينة النجف الأشرف، بغداد،1986 ، ص6 .
(31) ياقوت الحموي، معجم البلدان، 7، 197.
(32) البلاذري، فتوح البلدان، ص279 .
(33) المصدر نفسه، ص279 .
(34) الطبري، تاريخ الطبري، حوادث، 128.

(35) البلاذري، فتوح البلدان، ص239 .
(36) ماسينون، لويس، خطط الكوفة، تحقيق كامل سليمان الجبوري، مطبعة النجف،1978 ، ص 9.
(37) الطبري، تاريخ الطبري، حوادث سنة 17.
(38) البلاذري، فتوح البلدان، ص379 .
(39) حضارة العراق،ج9 ، ص 15.
(40) البلاذري، المصدر السابق، ص 278.
(41) مصطفى، محمد علي، التنقيب في الكوفة، مبحث نشر في مجلة سومر، مجلد 1، 1954، ص 57.
(42) الجنابي، كاظم، مسجد الكوفة، بغداد، 1966، ص 19.
(43) المصدر نفسه، ص 47.
(44) رجب، د. غازي، العمارة العربية في العصر الإسلامي في العراق، بغداد،1989 ، ص 76.
(45) الديوجي، سعيد، تاريخ الموصل، طبع بغداد، 1982،ج1 ، ص 15.
(46) الملاح، هاشم يحيى، "تحرير الموصل وتمصيرها في العصر الراشدي"، مبحث نشر في كتاب حضارة الموصل، ج2 ، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل،1992 ، ص 23.
(47) القزويني، زكريا بن محمد، آثار البلاد وأخبار العباد، بيروت، ص 461.
(48) معجم البلدان، ج8 ، ص 196.
(49) البكري، أبو عبد الله بن عبد العزيز، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواقع، مصر،1964 ، ص 76.
(50) معجم البلدان، ج5 ، ص 273.
(51) الديوجي، تاريخ الموصل، ص 23.
(52) ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد، وفيات الأعيان وأبناء الزمان، مكتبة النهضة، مصر، 1928، ص 23.
(53) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ص 637.
(54) الملاح، "تحرير الموصل وتمصيرها في العهد الراشدي"، مبحث نشر في كتاب موسوعة الموصل الحضارية، ص 29.
(55) البلاذري، فتوح البلدان، ص 327.
(56) المصدر نفسه، ص 339.
(57) الأزدي، أبو زكريا يزيد، تاريخ الموصل، مصر،1967 م،2 ، ص 26.
(58) المصدر نفسه، ص 258.
(59) المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله بن محمد، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، طبعة بريل سنة 1906، ص 138.
(60) الأزدي، تاريخ الموصل، ص 280.
(61) رشاد، عبد المنعم، "الدولة العربية الإسلامية وظهور الدويلات"، مبحث نشر في كتاب موسوعة الحضارة الإسلامية، دار الكتب للطباعة والنشر،1992 ، ج2 ، ص 84.
(62) د. غازي رجب، العمارة العربية، ص 60.
(63) الديوه جي، تاريخ الموصل، ص 52.
(64) الحموي، معجم البلدان، ج 5، ص 224.
(65) الأزدي، تاريخ الموصل، ص 113.
(66) الديوه جي، جوامع الموصل، مطبعة شفيق، بغداد،1963 ، ص 31.
(67) العميد، د. طاهر، "العمارات المدنية / دار الإمارة"، مبحث نشر في كتاب حضارة العراق، ج7 ، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985.
(68) الأزدي، تاريخ الموصل، 2، 14.
(69) المصدر نفسه،ج 2، 26.
(70) ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أكرم، محمد بن عبد الكريم الجزري، الكامل في التاريخ، مصر، 1375، ج5 ، ص 133أ
(71) ابن الأثير، أبو الحسن علي، أسد الغابة في معرفة الصحابة، القاهرة،1963 ، ص 366.
(72) ابن عساكر، القاسم علي بن الحسن، التاريخ الكبير، مطبعة الروضة، الشام، 1331، ج 1، ص 175.
(73) الموسوي، العوامل التاريخية لنشاة وتطور المدن العربية الإسلامية، ص 107.
(74) اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب جعفر بن وهب، تاريخ اليعقوبي، مطبعة البلدان،1383 ، ص 273.
(75) السمعاني، أبو القاسم علي بن الحسن، الأنساب، دائرة المعارف العثمانية، سنة1966 ، ص 576.
(76) فتوح البلدان، ص 86.
(77) بحشل، أسلم بن سهل، تاريخ واسط، ص 43.
(78) معروف، عروبة المدن الإسلامية، ص 24.
(79) بحشل، واسط، ص 139.
(80) حضارة العراق، ج1 ، ص 21.
(81) سفر، مصطفى، فؤاد، محمد علي، واسط، الموسم السادس للتنقيب، دار الحرية، بغداد، 1976، ص 82.
(82) اضبارة التحريات رقم18/3 ، سنة 1952.
(83) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 118.
(84) سومر، سنة1945 ، ص 150.
(85) سومر، المصدر نفسه، ص 140.
(86) يحشل، واسط، ص 18.
(87) المصدر نفسه، ص 25.

*
منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1429هـ/2008م




مواضيع أخرى رائعة من نفس القسم